مجد الدين ابن الأثير
424
المختار من مناقب الأخيار
عليك ورحمة اللّه وبركاته ، لا أراك بعد اليوم رحمك اللّه ، فإني أكره الشّهرة ، والوحدة أحبّ إليّ ، لأني كثير الغمّ ما دمت مع هؤلاء الناس حيّا ، فلا تسأل عني ولا تطلبني . واعلم أنك مني على بال ، وإن لم أرك ولم ترني ، واذكرني وادع لي فإني سأدعو لك وأذكرك إن شاء اللّه . فانطلق أنت ههنا حتى آخذ أنا ههنا . فحرصت أن أمشي معه ساعة ، فأبى عليّ ، ففارقته أبكي ويبكي ، فجعلت انظر إليه حتى دخل بعض السّكك ، ثم سألت عنه بعد ذلك وطلبته ، فلم أجد أحدا يخبرني عنه بشيء ، وما أتت عليه جمعة إلّا وأنا أراه في منامي مرّة أو مرّتين « 1 » . وقال أسير بن جابر : كان محدّث بالكوفة يحدّثنا ، فإذا فرغ من حديثه يقول : تفرقوا . ويبقى رهط ، فيهم رجل يتكلّم بكلام لا أسمع أحدا يتكلّم بكلامه ، فأحببته ففقدته ، فقلت لأصحابي : هل تعرفون رجلا كان يجالسنا ؟ فقال رجل من القوم : نعم ، أنا أعرفه ذاك أويس القرني . قلت : أو تعرف منزله ؟ قال : نعم . فانطلقت معه حتى جئت حجرته ، فخرج إليّ . فقلت : يا أخي ! ما حبسك عنّا ؟ قال : العري . قال : وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه . قلت : خذ هذا البرد فالبسه . قال : لا تفعل فإنهم يؤذونني إذا رأوه . فلم أزل حتى لبسه ، فخرج عليهم فقالوا : من ترون خدع عن برده هذا ؟ فجاء فوضعه فقال : أترى ؟ قال : وأتيت المجلس فقلت : ما تريدون من هذا الرجل ؟ قد آذيتموه ! الرجل بعرى مرّة ويكتسي مرّة . قال : فأخذتهم بلساني أخذا شديدا ؛ فقضي أنّ أهل الكوفة وفدوا إلى عمر بن الخطاب فوفد رجل ممّن كان يسخر به ، فقال عمر : هل ههنا أحد من القرنيّين ؟ فجاء ذلك الرجل فقال : أنا . قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد قال : « إنّ رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس ، لا يدع باليمن غير أمّ له ، وقد كان به
--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 2 / 84 - 86 بنحوه وابن عساكر ، وهو في المختصر 5 / 84 - 86 .